عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
78
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
وقال أبو العرب : « صحبته سنين ما رأيته فيها ، ضحك وما كاد يغضب ما يخوض في شيء من أمور الناس طويل الصلاة رفيقا بمن يطلب العلم عنده » « 1 » . قال : روي أنّه لما تكلم أبو إبراهيم : أحمد بن محمد بن الأغلب في حال سكره بكلام يشعر بالكفر أعلم بذلك حين صحا ، فندم وتاب إلى اللّه تعالى وحلّق رأسه ، وجمع فقهاء القيروان فأعلمهم بذلك وسألهم : هل له من توبة ؟ فكلّهم صعب عليه الأمر ، إلا محمد بن يحيى بن سلام ، فإنه قال له : إن كنت اعتقدت ما تكلمت به فهو عند اللّه عظيم . وإن كنت لم تعتقده فالتوبة مبسوطة ، فتب إلى اللّه تعالى ، وتقرّب إليه بالصدقة ، فقال له : جزاك اللّه خيرا كما دلّلتني على اللّه تعالى ولم تؤيّسني من رحمته التي وسعت كلّ شيء ، فظهرت من أبي إبراهيم آثار جميلة من أفعال البرّ والصّدقات ، وبناء المساجد والمواجل ، حتى مات ولم يترك في بيوت أمواله شيئا . قلت : هذا الكلام فيه إجمال ، فإن بيان ما فعله بالتنصيص عليه أحسن من إجماله مع ما في بسط الزيادات قال أبو بكر التجيبي : كان أبو إبراهيم أجمل بني الأغلب ، وكان له شعرة ، وكان إذا جلس مع الجواري للشّرب نظمت شعرته بالجوهر المصنّف ، ويجعل من فوقها التّاج المكلل بالدرّ والياقوت الأحمر ، وكذلك يفعل الجواري فنظر إلى وجهه في المرآة فتكلم بكلمة كفر ، فلما أفاق أخبر بذلك ، فبكى وندم وأمر برأسه فحلق شعرته وتاب ، ووجه في طلب القاضي سليمان ، وجميع علماء المدنيين والعراقيين فسألهم فصعّبوا عليه ، وركب إلى الدّمنة إلى الضّرير المتعبّد وكان مستجابا فأخبره وسأله في الدّعاء ، ثم ركب إلى قصره في قضاته ووزرائه ، حتى دخل عليهم محمد بن يحيى بن سلام وذكر ما تقدم ، ثم قال وأمر بإخراج ثلاثمائة ألف دينار من بيت مال المسلمين ، فأمر ببناء ماجل باب تونس وبناء في جامع القيروان القبّة الخارجة عن البهو مع الصّفّتين اللتين يليانها من جانبيها جميعا ، وبلاطها الذي بين يديها مفروش ، وعمل المحراب جلبت له تلك القراميد اليمنية لمجلس أراد أن يعمله وجلبت له من بغداد خشب السّاج ليعمل له
--> ( 1 ) هذا القول قاله أبو العرب في شأن « يحيى بن سلام » وليس في ابنه . قوله : « ما رأيته قط ضحك ولا غضب إلا مرّة واحدة صاح على غلام له ، وكان محسنا في علمه ، متواضعا فيه ، قليل الخوض فيما لا يعنيه » .